صديق الحسيني القنوجي البخاري

90

أبجد العلوم

نوع يقين هو ثمرة نور « 1 » يقذفه اللّه تعالى في قلب عبد طهر بالمجاهدة باطنه عن الخبائث حتى ينتهي إلى رتبة إيمان الصديق رضي اللّه عنه الذي لو وزن بإيمان العالمين لرجح « 2 » . السابعة : أن لا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله . فإن العلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طرق إلى بعض ، والموفق من راعى ذلك الترتيب والتدريج . وليكن قصده في كل علم يتحراه الترقي إلى ما هو فوقه . وينبغي أن يعرف الشيء في نفسه فلا كل علم يستقل بالإحاطة به كل شخص ، ولذلك قال علي رضي اللّه عنه : « لا تعرف الحقّ بالرجال . اعرف الحقّ تعرف أهله » . الثامنة : أن يعرف السبب الذي به يدرك شرف العلوم ، وأن ذلك يراد به شيئان ، أحدهما : شرف الثمرة . والثاني : وثاقة الدليل وقوته ، وذلك كعلم الدين وعلم الطب . التاسعة : أن يكون قصد المتعلم في الحال تخلية باطنه وتحميله بالفضيلة ، وفي الحال القرب من اللّه سبحانه والترقي إلى جوار الملأ الأعلى من الملائكة والمقربين . ولا يقصد به الرئاسة والمال والجاه ومجاراة السفهاء ومباهاة الأقران . وإذا كان هذا مقصده طلب - لا محالة - الأقرب إلى مقصوده وهو علم الآخرة . ومع هذا فلا ينبغي أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم كالنحو واللغة المتعلقين بالكتاب والسنة وغير ذلك . العاشرة : أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد ، كما يؤثر القريب الرفيع على البعيد الوضيع والمهم على غيره . ومعنى المهم ما يهمك ، ولا يهمك إلا شأنك في الدنيا والآخرة . وإذا لم يمكنك الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة كما نطق به القرآن وشهد له نور البصائر ما يجري مجرى العيان فالأهم ما يبقى أبد الآباد ، وعند ذلك تصير الدنيا منزلا والبدن مركبا والأعمال سعيا إلى المقصد ولا مقصد إلا لقاء اللّه تعالى ففيه النعيم كله ، وإن كان لا يعرف في هذا العالم قدره إلا الأقلون . [ آداب المعلم ووظائفه : ] وأما وظائف المعلم المرشد : فالأولى : الشفقة على المتعلمين وأن يجريهم مجرى بنيه ، ولذلك صار حق المعلم

--> ( 1 ) أول من تكلم عن اليقين الذي يحدث بنور يقذفه اللّه تعالى في القلب هو الإمام الغزالي في كتابه « المنقذ من الضلال » ، فبعد أن انتابه الشكّ في المعارف حاول أن يتوصل إلى الحقيقة عن طريق العقل ؛ ولكنه لم يستطع في النهاية الوصول إلى ذلك إلا عن طريق العلم الكشفي الذي يحصل بمنّة اللّه تعالى فقط . ( 2 ) حديث نبوي ورد بلفظ : « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر » .